محمد جواد مغنية
102
في ظلال نهج البلاغة
الأمم ، لا ينتفعون بكثرة ، ولا يعتصمون من عدو ، وإن قلّ وحقر . . وقد حدث ذلك بالفعل ، والشاهد إسرائيل ، وفي ذلك يقول الإمام ( ع ) : « وإن في سلطان اللَّه عصمة لكم ، فأعطوه طاعتكم غير ملومة - أي غير ملومين عليها بنقاق ورياء - ولا مستكرهة ، واللَّه لتفعلن أو لينقلن اللَّه عنكم سلطان الاسلام ، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأزر - أي يرجع - الأمر إلى غيركم » . ( وقر سمع لم يفقه الواعية ) . هذا دعاء بالصمم على من يسمع المواعظ ولا يتعظ ، وتهتف به الزواجر ولا يزدجر ( وكيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة ) . المراد بالنبأة هنا حكم الإمام ومواعظه ، وبالصيحة ما في كتاب اللَّه وسنة نبيه من تخويف وتحذير ، والمعنى من لا ينتفع بنذر اللَّه والرسول وندائهما لا ينتفع بهمسة مني أو من غيري ، وشبه الإمام عظته بالنبأة ، وهي الصوت الخفي ، وعظة اللَّه والرسول بالصيحة - تعظيما لمقامهما وعلو شأنهما . ( ربط جنان لم يرافقه الخفقان ) . هذا دعاء بالصبر وصلابة الأعصاب لكل ذي قلب يخفق باستمرار خوفا ورهبة من غضب اللَّه وعذابه ، ويلقي اليه بالطاعة رغبة وطمعا في مرضاته وثوابه . ( ما زلت انتظر بكم الغدر ، وأتوسمكم بحلية المغترين ) . وجه الإمام ( ع ) هذا الخطاب للناكثين والمارقين الذين بايعوه ثم غدروا به ، وكان الإمام يترقب الغدر منهم ، ويتفرس فيهم الاغترار ( حتى سترني - أي كفني - عنكم جلباب الدين ) . يقول لهم : أنا أعرف من أنتم حقا وواقعا ، ولكن لا سبيل لي عليكم ما أظهرتم كلمة الاسلام وشعائره . . وقد كان شأنهم مع الإمام تماما كشأن المنافقين مع رسول اللَّه ( ص ) . ( وبصرنيكم صدق النية ) . أي ان الذي عرّف الإمام ( ع ) بحقيقتهم هو صدقه في نيته ، وصفاؤه في دخيلته وإخلاصه في إيمانه ، قال الشيخ محمد عبده : « وصاحب القلب الطاهر تنفذ فراسته إلى سرائر النفوس فتستخبرها » بالإضافة إلى إخبار النبي ( ص ) لعلي ( ع ) بأنه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . ويأتي ان شاء اللَّه ان الإمام مر بقتلى يوم النهروان فقال : لقد ضركم من غركم ، فقيل له : من غرهم يا أمير المؤمنين فقال الشيطان المضل ، والأنفس الأمارة بالسوء ، غرتهم أنفسهم ، وفسحت لهم بالمعاصي ، ووعدتهم الإظهار فاقتحموا النار .